محمد بن جرير الطبري

195

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

يعني جل ثناؤه بقوله : اعدلوا أيها المؤمنون على كل أحد من الناس وليا لكم كان أو عدوا ، فاحملوهم على ما أمرتكم أن تحملوهم عليه من أحكامي ، ولا تجوروا بأحد منهم عنه . وأما قوله : هو أقرب للتقوى فإنه يعني بقوله : هو العدل عليهم أقرب لكم أيها المؤمنون إلى التقوى ، يعني : إلى أن تكونوا عند الله باستعمالكم إياه من أهل التقوى ، وهم أهل الخوف والحذر من الله أن يخالفوه في شئ من أمره ، أو يأتوا شيئا من معاصيه . وإنما وصف جل ثناؤه العدل بما وصف به من أنه أقرب للتقوى من الجور ، لان من كان عادلا كان لله بعدله مطيعا ، ومن كان لله مطيعا كان لا شك من أهل التقوى ، ومن كان جائرا كان لله عاصيا ، ومن كان لله عاصيا كان بعيدا من تقواه . وإنما كنى بقوله : هو أقرب عن الفعل ، والعرب تكني عن الأفعال إذا كنت عنها ب " هو " وب " ذلك " ، كما قال جل ثناؤه هو خير لكم وذلكم أزكى لكم ولو لم يكن في الكلام هو لكان أقرب نصبا ، ولقيل : اعدلوا أقرب للتقوى ، كما قيل انتهوا خيرا لكم . وأما قوله : واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون فإنه يعني : واحذروا أيها المؤمنون أن تجوروا في عباده ، فتجاوزوا فيهم حكمه وقضاءه الذي بين لكم ، فيحل بكم عقوبته ، وتستوجبوا منه أليم نكاله . إن الله خبير بما تعملون يقول : إن الله ذو خبرة وعلم بما تعملون أيها المؤمنون فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه من عمل به أو خلاف له ، محص ذلكم عليكم كله ، حتى يجازيكم به جزاءكم المحسن منكم بإحسانه ، والمسئ بإساءته ، فاتقوا أن تسيئوا . القول في تأويل قوله تعالى : * ( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم ) * . . يعني جل ثناؤه بقوله : وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات وعد الله أيها الناس الذين صدقوا الله ورسوله ، وأقروا بما جاءهم به من عند ربهم ، وعملوا بما واثقهم الله به ، وأوفوا بالعقود التي عاقدهم عليها بقولهم : لنسمعن ولنطيعن الله ورسوله . فسمعوا أمر الله ونهيه ، وأطاعوه فعملوا بما أمرهم الله به ، وانتهوا عما نهاهم عنه . ويعني بقوله : لهم